Currently Empty: EGP0,00
المقالات
القَاسِط والمُقْسِط
القَاسِط والمُقْسِط
في الاعجاز البياني في القرآن الكريم، تتجلى عجائب اللغة العربية حين يقلب حرف واحد موازين المعنى من قعر الجحيم إلى قمة الرضوان. وبين كلمتي “القَاسِط” و”المُقْسِط” نقف أمام إعجاز بياني فريد؛ حيث تفرّق “همزة” واحدة بين من تلوثت يداه بالظلم فأصبح وقوداً للنار، وبين من أضاء قلبه بالعدل فاستحق محبة المقسط سبحانه وتعالى
فتجد أن معنى القَاسِط في لغة القرآن الكريم هو الجائر، الظالم، المائل عن طريق الحق. وقد اشتقت هذه الكلمة من الفعل الثلاثي (قَسَطَ)، الذي يعبرعن اعوجاج النفس حين يعميها الهوى وتستعبدها الأنانية، فتسلب حقوق الآخرين وتتجبر في الأرض فالقاسطون هم أولئك الذين انحرفوا عن الفطرة وأداروا ظهورهم لنور العدالة، واختاروا أن يعيشوا في مستنقع الظلم وظلام الجور
وحين يصور القرآن الكريم العاقبة الروحية والمادية لهؤلاء، لا يكتفي بوصف عذابهم، بل يجردهم من قيمتهم الإنسانية لتتناسب نهايتهم مع بشاعة ظلمهم، كما جاء في سورة الجن: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} [الجن: 15]. إنها نهاية مرعبة؛ فالقاسط الظالم لا يُلقى في النار ليعذب فحسب، بل يتيبس جسمه وتجف سوائله حتى يصبح هو ذاته “الحطب” الذي تتوقد به نار العدالة الإلهية. فقد اختار في الدنيا أن يحرق حقوق الناس بظلمه، فكان الجزاء أن يكون هو وقود الاحتراق في الآخرة عاذنا الله واياكم
أما المُقْسِط، فهو العادل المنصف الذي يعطي كل ذي حق حقه ولو على حساب نفسه. وقد اشتقت من الفعل الرباعي (أَقْسَطَ). وهنا تتجلى عبقرية اللغة العربية، حيث دخلت “الهمزة” على الفعل لتسمى في لغة العرب “همزة السلب أو الإزالة”؛ أي أنها أزالت الظلم والجور من القلب، لتبني مكانه صرحاً من العدل والإنصاف.
المُقْسِط ليس مجرد شخص يطبق القانون، بل هو إنسان تشبعت روحه بالتقوى، وامتلئ قلبه بنور العدل وتجردت نفسه عن الهوى فاستوى عنده القريب والبعيد، والقوي والضعيف. ولأن العدل شاق على النفس ويتطلب تجرداً تاماً من حظوظها، كان العطاء الرباني للمقسطين يتجاوز حدود النجاة من النار، ليصل إلى أسمى مقامات الاصطفاء: “المحبة”. فتجد هذا التتويج الرباني يتكرر في القرآن الكريم في مواضع عدة، منها قوله تعالى في سورة الحجرات: {وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9]. أن يُحبك الله؛ ذلك هو الملاذ الآمن والنعيم المقيم. فالمقسط الذي أقام ميزان العدل في الأرض، يقيم الله له ميزان المحبة في السماء.
فإذا تأملنا في هذه المعاني سندرك أن الحياة كلها تتأرجح على حرف. إما أن نترك لأنفسنا العنان في غيها فنكون (قاسطين) نميل مع الهوى ونخسر كل شيء، وإما أن نجاهدها بـ “همزة” التزكية والإنصاف لنكون (مُقسطين) نعتدل على الصراط المستقيم. وسنتعلم الدرس العميق والرسالة القوية الواضحة التي بينتها آيات القرآن الكريم رسالة رب العالمين سبحانه وتعالى لنا سنتعلم ان نروض أنفسنا، ونحررها من ظلام الظلم وجفاؤه وجفافه، حتى لا نكون حطباً لشهواتنا، بل أرواحاً مضيئة تمشي في رعاية الله ومحبته
هدانا الله واياكم ووفقكم وايانا لما يحب ويرضى وجعلنا جميعا من المقسطين الذين يحبهم المقسط سبحانه وتعالى



