Currently Empty: EGP0,00
المقالات
الخوف والخشية
الخوف والخشية
حينما تتدبر في آيات القرآن الكريم وتشعر بتنفس الكلمات ونبض الحروف، تقف بخشوع أمام ثنائيات تأسر الألباب
من هذه الثنائيات الخوف والخشية فهما ليسا مجرد مترادفين في قاموس اللغة، بل هما معراج ترتقي عبره النفس من طين البشرية وضعفها، إلى سماء الإيمان وصفائه
ففي القرآن الكريم تتنوع المعاني لتخاطب كل حالات النفس البشرية. وحين تتتبع آيات الخوف والخشية، تجد نفسك أمام دقة بيانية مبهرة فالقرآن الكريم يعرض الخوف كحالة فطرية أو حذر من العواقب، بينما يرفع الخشية لتكون تاجاً على رؤوس العارفين بربهم
فتظهر الآيات حقيقة الخوف على انه هو رعشة الطين وضعف الإنسان تلك الرعشة الفطرية التي تسري في أوصالنا حين تداهمنا خطوب الدنيا أو نترقب مكروهاً. فهو شعور ينبت في تربة “الضعف البشري”، حين يرى الإنسان نفسه أسيراً لمحدوديته وصغيراً أمام خطر مادي يهدده. وقد وضح القرآن الكريم هذا الضعف وصوره في مواضع وحالات مختلفة تعبر عن القلق البشري الطبيعي، أو رهبة العذاب، أو الابتلاء الذي يمحص القلوب
فالخوف الفطري البشري الذي هو رعشة النفس والحذر يتجلى في قصة سيدنا موسى عليه السلام حين خرج من مصر، وحيداً يترقب بطش فرعون مستشعرا الخطر المادي {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص: 21]. إنه توجس مشروع يزول بزوال مسببه، وقلق غريزي يدفع الخائف دائماً للفرار بعيداً عما يخيفه
أما الخوف كابتلاء وتمحيص لبيان ضعف الإنسان وافتقاره إلى أمان الله فقد ورد في قوله تعالى {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155]
كما ورد تصحيح بوصلة الخوف ليكون الانسان حذراً من الله سبحانه وتعالى وحده دون سواه في قوله تعالى {إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175]
اما الخشية التي هي هيبة النور وجلال الخالق سبحانه وتعالى هي إجلال القلب ومقام العارفين فهي سراج يضيء القلب، ومنزلة عليا لا يبلغها إلا من أشرقت بصيرته. إنها ليست ذعراً يشتت النفس ويوهنها، بل هي “هيبة ممزوجة بالحب والتعظيم”. فالخشية لا تنبع من مجرد ضعف العبد، بل تتفجر من استشعاره لـ “عظمة الخالق” سبحانه وتعالى وكماله وجماله
وقد وردت الخشية في القرآن الكريم في سياق التعظيم والمحبة والمراقبة الدائمة التي تنبع من استنارة البصيرة
فالخشية هي ثمرة العلم والبصيرة فكلما اتسعت مساحة المعرفة بأسماء الله جل جلاله وصفاته في قلب المؤمن، تعمقت جذور الخشية في نفسه، وكلما زادت المعرفة زاد الإجلال ولهذا اصطفى الله سبحانه وتعالى أهل البصيرة بهذا التتويج الرباني {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 28]. فالقرب يولد المعرفة، والمعرفة تورث الإجلال والإجلال يورث الخشية
وقد بين القرآن الكريم أن الخشية في الخلوات (الغيب) هي أعلى درجات الصدق، حيث لا رقيب إلا الله سبحانه وتعالى فقد قال سبحانه وتعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [الملك: 12]
وبين أيضا أن الخشية هي طريق الرضوان الأكبر فهي العهد الذي يورث الجنة والرضا المتبادل بين العبد وربه فقد قال سبحانه وتعالى {رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة: 8]
وقد جمع القرآن الكريم بين الخوف والخشية في سياق واحد في موضع من أعظم مواضع الإعجاز القرآني ليضع النقاط على الحروف في التفرقة الدقيقة بينهما وهي قوله تعالى في وصف أولي الألباب {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} [الرعد: 21]
فقد وضح القرآن الكريم الفرق بينهما في دقة بيانية مذهله حيث أشار أن “خشية” الرب سبحانه وتعالى هي (إجلالاً ومحبة وتعظيماً لذاته العلية)، وخوف سوء الحساب هو (حذر ورعشة من العذاب والعقاب)
وهنا يتضح بجلاء الفارق العظيم في وجهة النفس؛ فالخوف الدنيوي يجعلك تفر من الشيء هرباً، بينما الخشية من الله تجعلك تفر إليه شوقاً واحتماءً. الخوف قد يورث القلب قلقاً واضطراباً، أما الخشية فتورثه طمأنينة وسكينة ومراقبة دائمة تغسل النفس من أدرانها فهي معراج الأرواح وملاذ القلوب وتذكية النفس
والمتأمل بقلب بصير في سر هذا الإعجاز، يدرك أن هذا الفارق انما هو دعوة لقلوبنا لتتجاوز حدود الخوف المجرد، وترتقي في مدارج المعرفة حتى تذوق حلاوة الخشية
رزقنا الله واياكم الوعي والفهم والادراك لنهاجر بقلوبنا من وحشة الخوف الدنيوي إلى أنس الخشية الربانية، فنبات آمنين مطمئنين، نرى نور ربنا في كل سكون وكل حركة.
رزقنا الله واياكم الإخلاص اللهم آمين



