Currently Empty: EGP0,00
المقالات
قطرة مداد تُغير المصير من شتات الرجيم إلى مأوى الرحيم
قطرة مداد تُغير المصير من شتات الرجيم إلى مأوى الرحيم
بين حرفي الجيم والحاء مسافة لا تتجاوز حدود النقطة، لكنها في مقاييس النفس تمتد لتفصل بين النور والظلام، بين الطرد والاحتواء. ففي محراب بلاغة اللفظ القرآني، يقف هذا “الجناس الناقص” بين كلمتي (الرحيم) و(الرجيم) كشاهد على إعجاز بياني يختزل تناقضات الوجود بأكمله؛ فقد تتفق الكلمتان في الوزن وتتقاربان في الصوت بشكل كبير (باختلاف حرف واحد فقط بين الحاء والجيم)، لكنهما تقفان على طرفي نقيض تام في المعنى
الرحيم تمثل أقصى درجات القرب، واللطف، والقبول الإلهي والرجيم تمثل أقصى درجات البعد، والطرد، والرفض
فالرحيم اسم من أسماء الله الحسنى، مأخوذ من مادة (ر ح م) وهي صيغة مبالغة على وزن “فعيل”، وتدل على الرحمة الثابتة والواصلة للمرحوم. والتي تعبر عن رحمة الله الدائمة الممتدة لعباده، والعناية التامة التي لا عطب فيها ويقترن بالبسملة ومواضع الرجاء والمغفرة
اما الرجيم فهي مأخوذة من مادة (ر ج م) وتأتي على وزن “فعيل” بمعنى “مفعول”، أي المرجوم، أو المطرود الملعون والمُبعَد عن كل خير وهي صفة تطلق على الشيطان، وتُستخدم في الاستعاذة (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) دلالة على طرده من رحمة الله
فالتطابق بين الكلمتين شبه تام في الحروف والحركات، ولا يفرقهما في الكتابة سوى “نقطة” واحدة وهو ما يُعرف في علم البلاغة بـ “الجناس الناقص “هذه النقطة المجردة نقلت المعنى من أقصى اليمين (الرحمة والاحتواء) إلى أقصى اليسار (اللعنة والطرد)، فنقطة واحدة سقطت تحت الحرف هوت بصاحبها إلى أقصى درجات اللعنة والنبذ والبعد، والطرد، والرفض، وحين رُفعت، صعدت بالمعنى إلى أسمى مراتب القرب واللطف والود والمودة والقبول الإلهي مما يعكس دقة اللفظ القرآني وقدرته على رسم تناقضات الوجود بأقل تغيير لفظي ممكن بخفة ورشاقة وانسيابيه وتمكن وبدون تكلف
هذا التضاد اللفظي هو انعكاس دقيق لحركة النفس في الكون. فالرجيم يحمل في طياته قوة دافعة قاسية، قوامها السقوط والرجم والرمي بعيداً عن مركز النور والخير. وفي المقابل، تتجلى كلمة الرحيم، المشتقة من “الرَّحِم”، وهو المكان الذي ينمو فيه الجنين ويُحفظ ويُغذى كقوة جاذبة دافئة، تلف الإنسان وتحتضنه وتغذيه، وتحيطه بالأمان والعناية تماماً كما يُحفظ الجنين آمناً في مأمنه الأول
ومن حكمة الخالق ورحمته بعبادة شرع سبحانه وتعالى لهم عند قراءة القرآن الكريم أن يبدأوا بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم قبل أن تلج أرواحهم في رحاب البسملة وأنوار الرحمن الرحيم. وهو ترتيب ينظف فيه المؤمن زوايا قلبه من غبار وساوس الرجيم ويُخلي وعاءه الداخلي ليكون مستعداً لاستقبال انوار وفيوضات الرحمة من الرحمن الرحيم سبحانه وتعالى فتنظيف المكان قبل تزيينه أمر بديهي وهو ما يسمى بالتخلية التي تسبق التحلية (لاحظ هنا أيضا أثر النقطة في تغير المعنى بين دفع الظلام من القلب بالتخلية فيسمو القلب ويرتفع وهنا كانت النقطة بالأعلى وبزوالها تأتى التحلية مجردة من النقطة فيجذب القلب النور ويستوعبه)
هذا المزج العجيب بين الكلمتين في الاستفتاح يخلق في النفس توازناً دقيقاً؛ فذكر “الرجيم” يقرع أجراس اليقظة، ويوقظ في النفس حالة من الترقب والحذر من عدو متربص يسعى لتبديد سكينة القلب. وما إن تستوحش النفس وتتأهب، حتى يتداركها النداء بذكر “الرحيم”، فيمسح على اضطرابها بنسائم الرجاء والسكينة وطمأنينة الحماية المطلقة، ليمضي المؤمن في دربه متوازناً بين يقظة العقل وسكينة القلب بين الحذر وطمأنينة الحماية الإلهية
وبين قسوة الطرد في الرجيم، ودفء الاحتواء في الرحيم، يقف الإنسان في منتصف الطريق، مدركا الفرق بين الطرد والاحتواء، فتهتف نفسه طالبة العودة إلى مأمنها فلا يجد له ملجأ إلا أن يرفع يديه داعيا ربه الرحيم سبحانه وتعالى بأعظم دعاء يدعو به السائر إلى الله وهو: اللهم ردني إليك رداً جميلاً
ردّني هذا النداء ليس مجرد طلب للنجاة، بل هو مناجاة العارفين ومطلب الأنبياء الذين يسألون الله “الرد الجميل”. والرد الجميل هو أن تعود إلى خالقك مدفوعاً بنبض الحب وشوق الوصل في أيام الرخاء، طوعاً واختياراً، لا أن تسوقك سياط المحن وأوجاع الابتلاء؛ وهي عودة تناقض تماماً كبر الرجيم وعناده الذي أورثه الرفض الأبدي
إن الغاية الكبرى للرجيم هي تشتيت انتباهك، وتفريق همك، ورميك في غيابات التيه والظنون. وحين تلهج النفس بطلب الرد، فهي تستجير بالله جل جلاله من هذا الشتات، باحثة عن المركز والمنبع الذي يلملم شتات القلوب ويجبر كسورها فتسرع بالعودة إلى طمأنينة “الرحيم” سبحانه وتعالى
وتتجلى فلسفة هذه العودة في قصة سيدنا موسى عليه السلام، حين قال تعالى: (فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ). فقد كان الرد هنا عودة إلى الرَّحِم، إلى التجسيد الأعظم للرحمة في الأرض. وبالمثل، حين تنهك حروب الدنيا ووساوس الرجيم النفس البشرية، فإنها تئن باحثة عن ملاذها الأول، طالبة الرد إلى كنف خالقها لتنعم ولرحمته سبحانه وتعالى التي وسعت كل شيء لتقر عينها ولا تحزن
فبالنقطة التي تصنع المسافة الفاصلة بين الرجيم والرحيم، يتحدد مصير الأعمال والقلوب. ففي دائرة الرجيم، يغدو كل عمل لا يُبتغى به وجه الله عملاً مردوداً مرفوضاً، وصاحبه مطروداً من رحمة السماء. أما في دائرة الرحيم، فإن العبد نفسه، مهما أثقلته الخطايا وباعدت بينه وبين ربه المسافات، متى ما ندم وعاد، تلقفته أبواب القبول، فتقبل توبته ويُرد إلى كنف الله مجدداً، وبراح عفوه الإلهي مصداقاً للحديث القدسي الذي يفرح فيه الله سبحانه وتعالى بعودة عبده وتوبته أكثر من فرحة فاقد راحلته في الصحراء
فاللهم ردنا إليك رداً جميلاً، نأمن به من مسالك الرجيم، وننعم فيه ونستظل بظلال الرحيم سبحانه وتعالى
رزقنا الله واياكم الإخلاص اللهم أمين



